مجموعة مؤلفين

58

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

وسموا به ، فالاسم سمتهم ، والعلم باللّه صفتهم ، والعبادة حليتهم ، والتقوى شعارهم ، وحقائق الحقيقة أسرارهم . ومن اطلع على كتاب العلم من كتب « إحياء علوم الدين » يعرف مرتبة علم التصوف ، وأنه أعظم العلوم الشرعية ، وأنه هو المقصود بالذات ، وسائر العلوم له كالمقدمات فمن جملة ما قال فيه : فأما علم المكاشفة : وهو علم الباطن ، وذلك غاية العلوم ، فقد قال بعض العارفين : من لم يكن له نصيب من هذا العلم ، أخاف عليه سوء الخاتمة ، وأدنى النصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله . وقال آخر : من كان فيه خصلتان لم يفتح له شيء من هذا العلم بدعة أو كبر . قال آخر : من كان محبا للدنيا ومصرّا على هوى لم يتحقق به ، وقد يتحقق بسائر العلوم ، وأقل عقوبة من ينكره أنه لا يرزق منه شيئا ، وهو علم الصديقين أعني علم المكاشفة وهو علم الباطن ، وذلك عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة ، وينكشف في ذلك النور أمور كأن يسمع من قبل أسمائها ، ويتوهم لهما معان مجملة غير متضحة فيتضح إذ ذاك حتى يجعل المعرفة الحقيقية بذات اللّه ، وبصفاته التامات ، وبأفعاله ، وبحكمته في خلق الدنيا والآخرة ، ووجه ترتيبه الآخرة على الدنيا ، والمعرفة بمعنى النبوة والنبي ، ومعنى الوحي فنعني بعلم المكاشفة : أن يرفع الحجاب حتى يتضح له جلية الحق في هذه الأمور اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه ، وهذا ممكن في جوهر الإنسان ، لولا أن مرآة القلب قد تراكم صداؤها وخبثها بقاذورات الدنيا ، وإنما معنى علم طريق الآخرة بكيفية تصقيل هذه المرآة عن هذه الأخباث التي هي الحجاب عن اللّه ، وعن معرفة صفاته ، وأفعاله .